عبد الملك الخركوشي النيسابوري

261

تهذيب الاسرار في أصول التصوف

قالا : نعم ، نحن في ملكه ومملكته وبين يديه ، فأقبلت على نفسي أوبخها ، وقلت لها : راهبان يتحققان بالتوكل دونك ! ! فقلت لهما : أتأذنان في الصحبة ؟ قالا : ذاك إليك ، فاتبعتهم ، فلما جنّ الليل قاما إلى صلاتهما وقمت إلى صلاة المغرب ، فصليت بتيمم ، فنظرا إلىّ وقد تيممت فضحكا منى ، فلما فرغا من صلاتهما بحث أحدهما في الأرض بيده ، فإذا ماء قد ظهر وطعام موضوع ، فبقيت أتعجب من ذلك فقالا : ما لك ادن فكل واشرب ، فأكلنا وشربنا وتهيأت للصلاة ، ثم نضب الماء فذهب فلم ير إلا في الصلاة ، وأنا أصلى على حدة حتى أصبحنا ، وصلينا الفجر ، ثم أخذنا في المسير ، فمكثنا على هذا إلى الليل ، فلما جئنا الليل تقدم الآخر فصلى بصاحبه ، ثم دعا بدعوات وبحث الأرض بيده ، فنبع الماء وحضر الطعام ، فلما كانت الليلة الثالثة قالا : يا مسلم هلمّ نوبتك الليلة ، فاستخر اللّه ، قال : فبقيت فيها واستحييت ودخل بعضي في بعض ، قال : فقلت : اللهم إني أعلم أن ذنوبي لم تدع لي عندك وجها ولا جاها ، ولكن أسألك أن لا تفضحني عندهما ولا تشمتهما بي ، وبنبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم وبأمة نبينا ، قال : فإذا بعين جرارة وطعام كثير ، قال : فأكلنا كذلك وشربنا ولم تزل كذلك ، حتى بلغتني النوبة الثانية ففعلت ذلك ، فإذا بطعام يكفى اثنين وشراب يكفى اثنين ، فتصاغرت نفسي إلى أريتهما أنى آكل وأشرب ، ولم آكل ولم أشرب ، قال : فسكتا عنى ، فلما كانت النوبة الثالثة أصابني كذلك ، قال : فقالا لي : ما هذا يا مسلم ، قلت : لا أدرى ، فلما كان جوف الليل حملتني عيناي ، فإذا بقائل يقول : يا محمد : أردنا بك الإيثار الذي قد اختصصنا به محمدا من بين الأنبياء والرسل عليهم السلام فهي علامته وكرامته وكرامة أمته من بعده إلى يوم القيامة . قال : فلما بلغت نوبتي وكان الأمر على هذه الصورة ، قالا لي : يا مسلم ما هذا ، ما بالنا نرى طعامك ناقصا ؟ قلت : أو لا تعلمان ما هذا ؟ قالا : لا ، قلت : هذا خلق خص اللّه تعالى به نبينا محمدا صلى اللّه عليه وسلم ، وخص به أمته ، إن اللّه تعالى يريد بي الإيثار ، وقد آثرتكما ، قال : فقالا : نشهد أن لا إله إلا اللّه ، وأن محمدا رسول اللّه ، لقد صدقت في قولك ، هذا خلق نجده في كتبنا خص اللّه عزّ وجلّ به محمدا صلى اللّه عليه وسلم وأمته ، فأسلما ، فقلت لهما : هل لكما في الجمعة والجماعة ؟ فقالا : ذاك الواجب ؟ قلت : نعم ، قال : فسألا اللّه تعالى أن يخرجنا من التيه إلى أقرب الأماكن من الشام ، قال : فبينا نحن نسير إذ نحن قد أشرفنا على بيوتات بيت المقدس . وعن سهل بن عبد اللّه قال : قال موسى بن عمران عليه السلام : « يا رب أرني بعض